You are here:

هل الانتظام في عمل اليوم والليلة مهمة مستحيلة؟ (تجربتي مع مبادرة البكور)

حصة السنان

 

شاركتْ صديقاتي -قبل سنوات- في مبادرة اسمها (البكور)، تقوم المبادرة على بناء روتين عبادِي يعتمد البكور أساساً له،  تُحسب أعمال اليوم والليلة في حاسبة مخصصة لذلك، وتقوم الفكرة على أساس المنافسة بين المجموعات: تنتظم المشتركات في مجموعات تتنافس على تحصيل نقاط، وتحسب أعمال المشاركة في حاسبتها، ولكنها تُجمع في نقاط المجموعة (تراعي الحاسبة إخفاء اسم المشاركة وعدد نقاطها عن كل أحد، وتُظهر ناتج نقاط المجموعة). يتيح هذا جواً لطيفا من المنافسة والتفاعل، وتتعاون المشاركات لأجل (مجد الفريق)، حتى أن إحدى الصديقات قالت إنها ألحت على زوجها من العشيّ، أن يستيقظ إذا أيقظته لصلاة الفجر، وأن يؤديها في المسجد، أن لأن إيقاظ أحد من أهل البيت للصلاة وتأديته إياها في المسجد يتحصل منها 27 نقطة، تضاف إلى نقاط المجموعة، ومجموعتها كانت متراجعة في المنافسة، فأرادت ذلك لذلك!

ثم إنها بعد أسابيع عاودته، تسأله الطلب نفسه فقال -يردعها مازحاً-: “وأنتِ ومجموعتك ما عندكم أحد غيري؟!”

التقيت نور صدفة في مقهى، وهي تشتغل على حاسوبها، جلسنا قليلاً وحكت لي فكرة المبادرة، سألتها إن كان بإمكان المشترك أن يستعمل الحاسبة فرداً، دون أن يشترك مع مجموعة، قالت أن ليس بالإمكان ذلك، لم أفهم السبب، لكني لم أسألها: لِمَ؟

ثم راسلتني نور بعد شهور: تدعوني لتجربة الاشتراك في (النسخة التجريبية) لتطبيق (منازل البكور). فاشتركت، على غير إِلفٍ لضجيج مجموعات الوتساب.

تقوم فكرة المبادرة على أساسين:

  • الحاسبة (في التطبيق):

تُدرج (أعمال اليوم والليلة) في الحاسبة، وترصد نقاط تتفاوت لكل عمل، يُراعى التبكير في احتساب النقاط. تشمل الأعمال: السنن الراتبة، أذكار بعد الصلاة، قراءة الورد القرآني في الصلاة وخارج الصلاة، أذكار الصباح والمساء، أوراد السَحر، وتشمل أعمالاً أخرى، مثل: تقنين استخدام الهاتف، التعلّم والتعليم، المشي، وغيرها.

تُغلق الحاسبة الساعة العاشرة مساءً، وتفتح ساعةً قبل الفجر.

ويُجمع ناتج نقاط أفراد المجموعة في مؤشّر يعمل طول اليوم.

تمتد رحلة البكور عاماً، يُقسّم على (منازل) مراحل زمنية، يمتد المنزل من خمسة أسابيع إلى عشرة، وتفصل بين المنازل مدة أسبوعين من الانقطاع، وفي كل منزل نوع من العبادات يركّز عليه.

  • مجموعات الوتساب

تشارك في النسخة التجريبية ألف مشاركة، ينتظمن في خمس وعشرين مجموعة، لكل مجموعة اسم يُناسب المنزل، ومشرفتان. تفتح المشرفة المجموعة قبل الفجر ساعةً، وتُغلق العاشرة مساءً، تتعاون المشاركات على الالتزام بالعبادات، تشارك بعضهن تجاربهن في الرحلة، فيحصل نوع من الأنس والفكاهة. تستيقظ المشرفة للفجر أو للسحر فترسل مُلصقاً يفيد باستيقاظها، تتبعها بعض المشتركات، أويرسلن ملصقات (أُعِدّت لذلك) عند إتمام الأذكار، أو عند قراءة (البقرة)، أو للحث على الصلاة بوقتها، حتى إذا نظرت في الهاتف، فجراً أو سَحراً: طابور من الملصقات تشير إلى عدد المبكّرات، وكنت إذا رنّ المنه فغالبني النعاس هذه الساعة، نظرتُ (في مجموعة الوتساب) إلى طابور المبكّرات قبلي فأنشط، (وتعرض بعض البنات خدمة الإيقاظ للفجر، قالت إحداهن إنها في دورة سابقة قد كانت لها أخت أيقظتها للفجر عاماً كاملاً).

تُسجل أعمال كل فرد في حاسبته، وتُجمع النقاط في ناتج المجموعة، تُعلَن المجموعة المتقدمة على ملأ المجموعات (في القناة العامة)، تترقب بعض البنات حركة نقاط المجموعة، حماساً ومفاعلةً وتشجيعاً، ويحصل من هذا قدر من خفة الظل غير قليل، ولطالما قهقهتُ على ضجيج المجموعة، ساعة إعلان النتائج -نجاحاً وإخفاقاً- مرحاً وتشاقياً (بلهجة أهل العراق).

يؤتيك هذا شيئاً فشيئاً فرصة للانتظام في العبادات؛ تأديتها على وقتها: أداء الصلاة أول الوقت، الأذكار بعدها، والنافلة الراتبة،  أورادك بعد الفجر، محفوزاً بتأهب الأخريات في المجموعة تارةً، أو بعلامة الإنجاز في التطبيق، أو بإلحاح عقلك على وظائف الوقت إذا اعتاد انتظامها.

كانت بوادر الانتظام تلك أمراً ذا شأن بالنسبة لي، وقد تقلبتُ على أثر السفر -الذي امتد أعواماً في فترة الابتعاث، وما بعدها، فتأثرت علاقتي بالرواتب وغيرها، فالسفر يُعجلك إلى أن تطوي سجادتك وأنت تسعى بين الدروب. وكانت هذه المبادرة جسراً أو بارقة عودة للطرق أو تُلويحة وصول.

صار صوت الأذان يحفزني إلى القيام، أترقب وقته في الساعة، لأنجز صلاتي لوقتها ثم أنطلق، ويُزعجني عقلي إذا تشاغلت وقد حان وقت الصلاة (أشعرني هذا بشيء من شعور كبار السن، من أهلينا، أصحاب الوجوه البيض، كيف تزعجهم نفوسهم إلى الصلاة إذا حان وقتها)، بعد السلام من الفرض تنهض للراتبة دونما تفكير، وتجلس بعد التسليمة تعدّ على أصابعك أذكارك، تقرأ في الصلوات: يس، والملك، والواقعة، وشيئاً من وردك، فتسكن نفسك إذ يعطيك هذا شيئاً من الاطمئنان في صلاتك، تقرأأذكارك بعد الفجر أو قبل الثامنة، فكأنك أوتيت يوماً جديداً -يبدأ توّاً-، لأشغالك.  

ثمة نظام مكافأة يبنيه عقلك بهذا الانتظام:

تنتظم في عمل (يتطلب جهداً) ← يعطيك هذا شعوراً من الإنجاز (مكافأة) ← يدفعك إلى المواصلة (تتكون عادة).

الانتظام يؤتيك شعور الإنجاز، وهذا الشعور هو مكافأتك، وبعد مدة من الانتظام يحفزك عقلك إلى العمل -كلما جان وقته- لأنه يتوقع شعور المكافأة بعد إنجاز العمل، وبهذا يتكون الدافع على مواصلة العمل وتتكون العادة.

مع هذا الانتظام يقل الجهد المطلوب لتأدية الأعمال إذا أنت اعتدت عليها، فصارت يسيرة عليك، وعندما يقل المجهود الذي تبذله في تأدية الأعمال يضعف شعور المكافأة، فيتطلع عقلك إلى بذل جهد أكبر، ليحصل على شعور المكافأة التي يتوقعه عند الإنجاز، فيدفعك عقلك إلى ذلك العمل أو إلى الاستزادة منه، فتبادر إليه، وتبني على العمل الذي انتظمت فيه، عملاً آخر من جنسه، يتطلب (جهداً) في بنائه، فتعود إلى دائرة التعلّم وبناء العادة الجديدة، محفوزاً بشعور المكافأة، وبتراكم العادات العبادية التي يقلّ جهدها كلما انتظمت فيها، فتأتي الطاعة بأختها، يشدّ البنيان بعضه بعضاً.

وأول ما يدفعك إلى الانتظام في هذه الأعمال: تسجيلها في الحاسبة، وحثُّ البنات عليها، ثم شيئاً فشيئاً يخفُّ ثِقل العمل مع الانتظام عليه: رواتب الظهر تصبح كغمامة في الهجير، بعد أسابيع من انتظامها، فلا يعود الوقت كالوقت، لأن خفة الأعمال تبارك الوقت، ولكن طريق الخِفة يبدأ بثِقل الانتظام.

الفكرة هنا: أن الأعمال التي كنت تُكابدها، قد آتت عقلك شعوراً ببهجة الإنجاز المرتبط ببذل الجهد، وحصول ثمرة التعلّم، ثم انتظمت فيها وصارت ميسرة عليك، فلم يعد عقلك يُكابدها، وصارت تتطلب قليلاً من الجهد، وقلة المجهود يرتبط بضعف المكافأة، فيتطلع عقلك إلى بذل جهد أكبر، لتحصل على نشوة المكافأة التي يتوقعها بإتمام العمل، وبهذا تستزيد من أعمالك، كلما خفّ عليك عملٌ ضممت إليه عملاً يسيراً قليلاً تدام عليه مدة حتى تألفه، ومما يُعينك على ثقل العمل في بداياته: تدرّج الأعمال في كل منزل، نظام تواصٍ وإعانة توفره المجموعات، وقَدر موزون من الأعمال مطلوب في كل منزل، بحيث أنه يتطلب جهداً في بداياته ولكن لا يثقل عليك ثقلاً يدفعك لتركه. 

يمتد المنزل (من منازل البكور) أسابيع ثلاثة، تنبني فيها العادة، ثم يتوقف أسبوعين، وتستمر أنت في أعمالك، ثم يبدأ منزل جديد، تضاف أعمال أخرى، تتحفز إليها مدفوعاً بما خبرت من شعور الإتمام وثمرة المواصلة، مع ضجيج المجموعة الذي قد يخفت أثره في نفسك أو يزيد.

بعد مَنزلين (مدة في مجموعها تقرب من أربعة شهور أو دون ذلك)، بدأ منزل ثالث من منازل البكور، كانت أعمال هذا المنزل على غير أعمال المنزلين السابقين، يختار هذا المنزل أن تعمل أعمالك -كُلها أو جُلها- قبل الثامنة صباحاً، فكان هذا بالنسبة لي تغييراً فاجِئاً لعادة انتظمت، فهزّ هذا البرنامج الانتظام الذي انبنى، لا يراكم عليه ولكنه يغيّره، فكان من أثر هذا: أني لم يكن مناسباً لي أن أبدأ وظائف جديدة على النحو الذي اقترحه المنزل، بدا لي أن عادة بُنيت وتشكّل لبنائها عقلك، وانتظمت في عزمك، لم يكن مناسباً أن يُدعى إلى غيرها؛ لم يناسبني أن أُدعى إلى برنامج عمل غير ما انتظمت فيه أعمال اليوم والليلة في يومي، وكان أحب إلي أن أحافظ على المواظبة في الأعمال الأولى.

ثم صرت ألاحظ -في هذا المنزل- أن الجهد المبذول للتشجيع في المجموعة من المشرفات وغيرهن قد ازداد، دونما قَدْر مماثل من الاستجابة، فانتبهت أن الدافع الأول الذي يحفزك دون ضجيج هو: الانتظام في أعمالك السابقة، لأن عقلك قد خَبُر بهجة إتمام العمل، فصار يدعوك إلى العمل كلما حان وقته في ساعات يومك، لتقوم به منتظماً، ليُثمر في شعورك وعقلك.

ثم أن العقل مفطور على حاجته لشعور المكافأة هذا، ويتطلبها في يومك، فإذا لم يحصل عليها بطرق صحية طبيعية مُنتجة (مثل: تجارب التعّلم الذي تبذل فيها جهداً لتحصل على نتيجة هي لذة التعلم) صار يطلب الحصول على البهجة بطرق غير صحية (يفرز فيها عقلك شعور البهجة دون أن تبذل جهداً عليها): مثل الإفراط في السكريات مثلاً، أو تلقي إشعارات وسائل التواصل، أو تصفّح مقاطع الفيديو القصيرة.

فابن عاداتك واصبر عليها، سيكون انتظامك عليها الذي يبدأ بالثقل هو مصدر سعادتك بإذن الله، وهو حافزك ودافعك ومُعينك على مجاهدة شعورك بثقلها بإذن الله.


تنويه:

تقوم الفكرة على إخفاء هوية المشارك تماماً، وتؤدي الحاسبة دورها في نفسك لأنك تشعر أن عليك مهام تؤديها في وقتها، ثم إن التقييد مظنة الانضباط، تقارن بها يومك بغدك وأمسِك، وقد كان مأثوراً عند السلف وسائل منها تقييد الأعمال.


دفتر لوظائف اليوم والليلة:

قالت نور الهدى الهديب -صاحبة المبادرة- إن نسخةً قادمة من التطبيق ستتيح للأفراد تسجيل ما يريدون الانتظام فيه من أعمال اليوم والليلة، ومتابعتها.

ومن المعلوم أن الطاعات لا تراد للذة الإنجاز ولا لشعور المكافأة، وإنما للثواب الأخروي، ولكننا نَسوس أنفسنا بكل وسيلة تتأتى، حتى تنضبط، فهذه التدوينة لا تتناول (النية الدافعة) لهذه الأعمال، وإنما (الآليات) التي تنضبط بها المواظبة.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.  


تقول هيفاء القحطاني -في مدونتها-: هل بناء الروتين مهمة مستحيلة؟

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

4 تعليقات

  1. الفكره رائعه
    وصياغتها وانارة نقاط القوة فيها بقلم رشيق اكثر من رائع

  2. شرح رائع و مفصّل للمبادرة بصراحة دائماً أحتار كيف أشرح المبادرة لمن يسألني عنها و أتكلم عنها بس ماأحس إني أعطيها حقها في الشرح مثل ماتفضلتي فيه جزاك الله خيرا 🥰

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك