كنت دائماً أريد أن أن أعرف ما الذي يعين الإنسان في الفقد، وقانا الله وإياكم- وأذكر أني طلبت من صديقة متخصصة أن تكتب تدوينة عن الصبر، وكنت دائماً أتساءل -على المستوى المعرفي- هل قدّم علم النفس الإسلامي -بصيغته القائمة- وصفة للصبر من حيث هو حالة أو شعور؛ ما مكوناته، ومراحله، وسائل اصطناعه، هل يقدم “بروتوكولاً” للتعامل مع كرب الفقد أو البلاء، طيفاً للمشاعر ذات الصلة، دَورانها، ما يؤثر فيها: من الجزع إلى التسليم والرضا[1]؟ أو عن (مدارج) الصبر مثلا أو (منهاجه) على طريقة الغزالي في حديثه عن “علاج النفس” في (الأربعين) مثلاً؟[2]
كنت دائماً أريد أن أعرف أكثر عما يصبّر المفجوعين في فقد أحبابهم، ما الذي يعينهم؛ أذكر أني سألت سيدة ابتليت ببلاء مركّبٍ شديد أعانها الله عليه، وكنا قد اجتمعنا في مجلس لا ثالث لنا فيه، غداةَ جُمعة في يوم رحلة، وكان قد مرّ على المصاب عقد من الزمان، وقد آنستُ منها رغبة في الحديث عنه، وهي تحب أن تحكي معاني تجربتها -بروح إيجابية-، فسألتها عما يعين على التصبّر في مثل هذه المواقف، فقالت: “الصبر مُرّ” كررت الراء، وهي تضع كفها على نحرها رافعة رأسها على السماء، وقد كساها الله الصبر والسكينة منذ الوهلة الأولى، وكان فيما قالت أن مما يعين على التصبّر: “الأحباااااب”[3]، وسألت مرّة أُماً صحفية من غزة عن هذه المعاني، وكنت دائماً أعتبر التجارب الشخصية مورداً ينبئك أصدق إنباءً عن طبائع الحياة والسنن.
كنت قد اشتريت منذ ما يزيد عن عام، دورة عن (الفقد والحداد: كيف نفهمه وكيف نعين عليه) -لأغراض تعلّم-، غير أني لم أحضر تلك الدورة وظلت الدورة في صفحتي منذ ذلك الحين، ثم حضرتها في مطلع إجازة قررت فيها أن أستكمل أموراً عالقة، وأنا -أصلاً- أحب أجواء التعلّم أعدّها من مباهجي، علّمنا الله وإياكم ما ينفعنا ووقانا البلاء، وجعلنا عبيد الامتنان لا عبيد الامتحان-.
كانت الدورة مسجلة، ومدتها ست ساعات، وفي جدول المحتوى بند مقابلات مرئية مع ثلاث حالات يعرضون تجربتهم الشخصية في التعامل مع الفقد (كان فيهم: معالِجة نفسية وأستاذ علم نفس، ومراجِعة) وكانوا دائماً يعرضون علينا في فصول الدراسة الحية مقاطع مرئية يطلبون منا تحليلها ومناقشتها – وكنت أجد نفعاً مُجدياً في محتوى المواد وترتيبها. وإذا في هذه المادة تحديداً عدد لا يحصى من عرض الحالات روايةً ومثالاً، وإذا المتغيرات كثيرة، وطبيعة البلاء تطّرد: أن من طبع الحياة أنها تطويه وتخففه وتُسلي عنه، وأن في “طقوس الثقافة” خير مُعين عليه.
وإذا المقاربة النفسية العلاجية -لحالات الفقد والحداد- لا يمكنها أن تتجاوز وجود اللطف المسير للأمور: المكنون في طبائعنا وامكاناتنا وقدراتنا، وفي الأقدار اللي تنفتح عند الكرب، وإذا كل (حالة) إن كانت من مشرق الأرض أو من مغربها، ينفتح لها مع البلاء من الألطاف حال تستعين بها، أو وصلٌ تجد فيه نوعاً من السلوى، وإذا السلوان مركّب في نفس البلاء؛ حالة لا ينخرم اطرادها في الحوادث، وقد يسمونها هُم: (حكمة الطبيعة) أو (موارد الإنسان)، أو (قناعات أو معتقدات)، أو (نموذج الواقع الذي يتبناه العميل)، يجعلون هذا في عدّة المعالج، لكنه كله -لو تأملت- وجدت أنه مركون في اللطف الخفي، الذي يتنزل مع كل بلاء.
ذكرتْ المحاضرة أن تلك أحزاناً من طبعها أن الزمن يعمل فيها، فهي تخف بمرور الزمن عادةً، والدراسات تقول أن ما نسبته 15 إلى 20% ممن يصابون بالفقد يحتاجون مراجعة العيادة، وأن المراجع يُراجع ليستعير عقل المعالِج لأن الفورة الشعورية الناتجة عن الحزن من طبعها أنها تحجب عن المرء إدراك الأمور على ما هي عليه، أو تُعطل قدرته على التفكير في الأمر تفكيراً معقولاً أو منطقياً، وإن منهم من يزور العيادة لأنه يريد أن يحكي قصة الفقيد وصلته به، تعينه الرواية على حضور (معنى) للحياة وللممات، ويعينه هذا المعنى على احتمال الألم، فيكون من دور المعالِج أن يلفت المراجِع إلى منظور ينظر به للفقد من زاوية أخرى، ينفتح له به فهماً آخر.
وقالت كذلك أن لا بديل للعلاقات والصِلات بالعائلة والأصدقاء، وأن تلك ثقافة [تقصد: الثقافة الغربية الحداثية] لقّنت الوحدة “This culture academic Loneliness “.
تقول المحاضرة أن ثمة أموراً لاحظَت في العيادة أن من شأنها أنها تعين المصاب على المصابِ ولا دليل علمي عليها، ومن هذه الأمور: نوع الميتة وظروفها (هل كانت متلبسة بذنب)، معنى الموت في تلك الثقافة، طقوس الدفن والعزاء، علاقة الحي الفاقد بالميت المفقود أثناء حياته، وأظنها قالت أن الصلة بالميت بعد موته مما يتواسى به الفاقد، وقالت معنى يتعلق بأن الناس تبتكر صلتها بأمواتها، ولها طرقها في ذلك. وإذ لا شيء يواسي عن الفقد كما يفعل الدين، على نحو ليس بوسع ثقافة دنيوية -تأخذ الدين إلى الزوايا- إلا أن تلوذ به. فكأنها ثقافة تنكره ممارسةً في الحياة، لكنها تدعوه طوق نجاةٍ إذا ركبت الحوادث الفُلك.
وقالت حين تكلمت عن مواساة الأطفال، وقال أحد ضيوفها في أحد المقاطع، أن تلك الثقافة التي تحايد الأطفال عن الموت، حتى لا يكاد الطفل أن يختبر الموت إلا حين يكون له هِرّ أو كلب يموت.
ورأت الموت يَحسُن تسميته باسمه، لطفل مات أحد من أهله، فيقال “الوداع”، ولا “الرحيل”، ولا “الغياب”، لئلا يظل الطفل عُمره يترقب موعدًا يعود فيه ليلتقيه.
وقالت إن نموذج (مراحل الفقد الخمسة) غير دقيق؛ لأننا قد لا نمر بهذه المشاعر تباعاً كما يفترض النموذج، فالمرء قد يتراوح بين شعور وآخر، وقد تعتريه حالات سكون أو تقبل ثم يعاوده بعض مشاعر الحزن. وذكرت النموذج الذي يمثل التراوح بين حالتَي الحداد والتجاوز: أن الإنسان الفاقد يتراوح بين القبض على الذكرى، والخلو للحزن، والتشاغل بالحياة عن الفقد ويتخذ له من هذا أدوار أو مهمات أو أحوال. على أن هذا النموذج لا يخلو من نقد، فإنه أصدق تعبيراً عن طبيعة مرحلة الحداد ومتطلباتها، ولا بديل عن إرخاء اليد عن المصاب letting go مع القبض على الذكرى remembering.


هذا بعض ما ذكر في الدورة، كتبته ملاحظات عجلى، ولعلي أعود لأشارك شيئاً مما تعلمته من الدورة لاحقاً.
هوامش:
[1] لعلي أكتب شيئاً عن هذا.
[2] أذكر أني قد قرأت كتاباً عن تجربة ذاتية في الفقد والحداد، فيها سرد موضوعي لم يجب على أسئلتي ولم يناسبني وكان لبعض التفاصيل أثر مزعج بالنسبة لي.
[3] وقالت: وأن لا يقول المرء شئياً أو يفعل، ساعة الصدمة، يدع يد الله تعمل في الحوادث، وإن بدا البلاء أنه مما يقال فيه رأي أو يُفعل.





5 تعليقات
رائع… استوقفني مفهوم الفقد انه محصور على “الموت”، بينما كنت اقرا بانتظار الفقد ب “فقد شعور معين كنت تعيشه قد انتهى نتيجة لانتهاء علاقة ما”. وقد استوقفني كلام د نايف بن نهار ، انه الإنسان يتذكر الطيب من ذكر اي شخص وهو كما قال منهجيه قرانية.. بينما السوال، اليس تذكر الذكريات الجميلة يجعل تجاوز الفقد ( انتهاء علاقه) اصعب ؟!
صحيح أسماء، ليس الفقد مقتصراً على الوفاة قطعاً، فَقَد يكون الفقد عن حرمان لا عن وجود (كالحزن المتعلق بالحرمان من الذرية مثلاً)، كثيراً ما عدّ نوعٌ من أنواع الفقد وفي دوائره الشعورية، غير أن الدورة (والتدوينة) اقتصرت على الفقد بالوفاة -لاسمح الله-، وقد يأتي حديث لاحق عن غيره. وقانا الله وإياكم ولطف بنا وبكم.
فيما يتعلق بالذكريات، يبدو لي أن الشعور الذي ينتج عنها متعلق بالزاوية التي ينظر بها المرء إلى الذكرى، وعلى هذا فيمكن توجيه الشعور بتغيير زاوية النظر أو المنظور، وربما يعان الفاقد على توجيه نظره إلى جوانب اللطف والرحمة والخير.
شكراً على التعليق الذي جعلنا نشير إلى هذه الموضوعات.
وفقك الله د. حصه وزادك من فضله وعلمه الكثير وجعله علما نافعا ينتفع به
جميل جدا ما كتبتي جميلة جدا كلماتك وأسلوبك الرائع الذي جعلني افهم اكثر مراحل الصدمة بشكل كبير وسبحان الله الله دايماً عندما ينزل الابتلاء ينزل معه الصبر والسكينة والرضا .
ربي يجعلنا واياكم من الراضين مرضيين .
شكرا وحبا لك .
سلمتِ أ. أماني، عسى الله أن يعلمنا ما ينفعنا ويعيننا.
المقال رائع د. حصة
بميزان أعمالك
بالتوفيق