You are here:

نظرية (تغيير المنظور): غيّر كلماتك، ستتغيّر حياتك

الكاتب: داريوس فورو

ترجمة موقع (كالنبتة)

أودّ أن أشارككم نظرية طوّرتها على مدار سنوات:

معظم مشكلاتنا ليست حقيقية بالمعنى الفعلي، بل هي مشكلات لغوية؛ فهي تنشأ من الكلمات التي نستخدمها لوصف وضعنا، لا من الوضع ذاته، بعبارة أخرى: إذا غيّرت كلماتك، يمكنك أن تُزيل كثيرًا من مشاكلك، إذ ماذا لو كانت الأشياء التي تصفها بأنها “مشكلات” ليست مشكلات أصلًا؟

أعلم أن هذا قد يبدو مبسطًا للغاية، لكن تابع معي:

كل شيء هو منظور ذهني

بادئ بدء، لست أتحدث عن المشكلات الحسية أو الإصابات أو الأمراض؛ فتلك الأمور -لا شك- حقيقية، ولكن إذا نظرت في المشكلات التي نواجهها يوميًا، فستجد أن معظمها ليست مشكلات حسية.

فكّر في الآتي: أنت تُطلق تسمية لكل شيء في حياتك:

  • أنت إما منضبط أو لست منضبطاً
  • ناجح أو لست ناجحاً
  • صحي أو لست صحياً
  • سعيد أو لست بسعيد

تلك هي تسميات نستخدمها للإحالة إلى تصورات في أذهاننا، تبدو وكأنها حقائق، لكنها ليست كذلك. هذه تأويلات، والتأويلات يمكن تغييرها.

إذا عدتُ إلى الطريقة التي تعاملت بها مع مشكلاتي في الماضي، أجد أنني غالبًا ما كنت أغيّر زاوية نظري للأشياء وحسب، لقد فعلت ذلك بلا وعي، غير أني طالما أدت أن أجعل من ذلك فكرة عملية، لكي يمكنني مشاركتها مع الآخرين.

اللحظة التي اكتشفت فيها نظرية (تغيير المنظور)

كنت أقرأ كتابًا بعنوان The Inner Voice of Trading(الصوت الداخلي للتداول) لمايكل مارتن، وهو كتاب جيد عن سيكولوجية التداول. لم يكن موضوع التداول هو ما جعلني أفكر في (تغيير المنظور)، بل فقرة عن الانضباط، وقد عرّفه مارتن على النحو التالي:

الانضباط هو مجرد أن تتصرف بما يتوافق مع أهدافك الشخصية أو التزاماتك مع الآخرين، رغم الدافع القوي الذي يدفعك للتصرف بخلاف ذلك.

هذا أبسط وأحسن توصيف سمعته للانضباط، فالانضباط ببساطة هو تحديد الأهداف والالتزام بها، فإذا لم تكن منضبطًا، فهذا لا يعني أن هناك خللًا شخصياً فيك، ولا أنك ضعيف أو لا تملك الإرادة؛ بل يعني ببساطة أنك وضعت أهدافًا غير مناسبة.

أرأيت؟ هذه مجرد طريقة للنظر إلى الحياة: إنها منظور ذهني.

أنتوني دي ميلو وتغيير منظور مفهوم الوحدة

بعد أن قرأت هذه العبارة عن الانضباط، بدأت أربط بين الأفكار في ذهني، تذكرت فورًا أنتوني دي ميلو، الكاهن المسيحي والمؤلف، كان من أكثر المفكرين الذين قرأت لهم وضوحًا، لقد كان يمتلك قدرة فريدة على تبسيط مشكلات برمتها بتغيير منظورٍ واحد.

وهذه عبارة من أجمل ما قرأت له في كتابه “الوعي”:

الوحدة هي حينما تفتقد الناس، أما العزلة فهي عندما تستمتع بمفردك.”

تغيّرت كلمة، فتغيّرت التجربة برمتها.

إذا كنت وحدك وسميت ذلك “وِحدة”، فهذا مقرون بحالة المعاناة، أما إذا سميتها “عزلة”،فتلك حالة من الراحة. الوضع نفسه لم يتغير، لكن التسمية هي كل شيء.

تلك هي نظرية (تغيير المنظور reframing) في أبسط صورها.

وقد عبّر إبيكتيتوس عن الفكرة نفسها قبل ألفي عام بقوله:

لا تزعجنا الأشياء، بل آراؤنا عنها.

وليس هذا تفكيرًا إيجابيًا

ومع ذلك، فليست هذه دعوة إلى التفكير الإيجابي، فالتفكير الإيجابي يطلب منك أن تتظاهر بأن الأمور السيئة جيدة، أما تغيير المنظور فيدعوك إلى أن تتلمس أكثر التأويلات دقة وفائدة للموقف، ليس الأكثر إرضاءً، بل الأكثر فاعلية، ثمة فرق بين خداع النفس واختيار منظور أفضل.

(تغيير المنظور) الذي غيّر طريقة تفكيري

يمكنك تطبيق هذا النموذج الذهني على كل جانب من جوانب حياتك، وهذه هي المجالات التي أظن أن الناس  غالباً ما يواجهون فيها مشكلاتهم، مع عبارة تغيير المنظور الذي أقترحه لكل منها.

معظم الأحيان، يتركز حديث مع أنفسنا حول ما نفتقده، لذا دعني -فيما يأتي- أفصّل في ذلك، وأقترح منظوراً آخر: 

أنا لست منضبطاً
المنظور القديم: لا أملك قوة إرادة. ثمة خلل في شخصيتي.
المنظور الجديد: أهدافي لا تتوافق مع شخصيتي الحقيقية،  ومع ما أريده فعلًا، أو ما تتيحه لي حياتي الحالية.

يأتي الانضباط بشكل طبيعي عندما تكون أهدافك صادقة، إذا كنت تنقض وعودك مع نفسك باستمرار، فلا تحاول تغيير إرادتك؛ بل غيّر أهدافك: ضع أهدافًا واقعية، نابعة من ذاتك، ومتوافقة مع حياتك، وسترى كيف يزول “غير المنضبط”.

أنا لست ناجحاً
المنظور القديم: لم أحقق ما كنت أطمح إليه، لقد قصرت.
المنظور الجديد: لقد كنت أسعى لتحقيق ما يعتبره الآخرون أنه نجاح.

عندما تعرّف النجاح بناءً على شروطك، وفقًا لقيمك ومعاييرك للحياة الطيبة، ستكف عن تبنّي معايير غيرك، أو خوض غمار لا يناسبك، وستبدأ في خوض غما حياتك وفق معاييرك، ومن هنا يبدأ التقدم الحقيقي.

أنا لست صحياً
المنظور القديم: لا أملك الانضباط الكافي للالتزام بالأكل الصحي وممارسة الرياضة.
المنظور الجديد: عاداتي لا تتوافق مع الحياة التي أريدها.

ليست الصحة مسألة تتعلق بالقيود، ولا بأن تعيش مئة عام، الصحة تتعلق بأن تهيئ حياتك على نحو يمنحك طاقة حقيقية ومستدامة. عندما تربط العادات الصحية بشعورك اليومي، ستكف عن تصور العادات الصحية كما لو كانت حرماناً.

الإفراط في التمرين أو الهوس بكم السعرات الحرارية التي تستهلكها لن يؤدي إلا إلى استنزاف طاقتك، تتعلق المسألة بوجود توازن يتحقق به. 

أنا لست سعيداً
المنظور القديم: لم يحدث لي من الأشياء الجيدة بالقدر الذي أريد.
المنظور الجديد: لقد كنت أنتظر السعادة بدلاً من أن أمارسها.

كتب ماركوس أوريليوس -الذي حكم إمبراطورية في زمن حروب وأوبئة- في مذكراته:

القليل جدًا يكفي لحياة سعيدة؛ فكل شيء يكمن في داخلك، في طريقة تفكيرك.

ليست السعادة شيئًا يأتيك، بل هي شيء تنمّيه يوميًا من خلال ما تختار أن تلاحظه وأن تركز عليه.

أنا لست محبوباً
المنظور القديم: لا يحبني ما يكفي من الناس.
المنظور الجديد: لقد كنت أركز على كثرة العلاقات بدلاً من جودتها.

نحن -بما أننا كائنات اجتماعية- نهتم بآراء الآخرين، ولا أظن أن في ذلك مشكلة، لكن المشكلة أننا نريد أن تحبنا كثرة كاثرة من الناس، وذلك مستحيل.

كُفّ عن السعي وراء قبول الآخرين، وركّز على الناس الذين تحبهم ويحبونك، وكن طيباً معهم.

أنا لست غنياً
المنظور القديم: لا أملك ما يكفي من المال.
المنظور الجديد: لقد كنت أقيس الثراء بمقايس تتغير باستمرار.

قال سينيكا:
“ليس الفقير من يملك القليل، بل من يطلب المزيد دائمًا.”

الثراء هو الاكتفاء، وهذا الحد أقل مما تظن! المشكلة ليست في مقدار دخلك، بل في تعريفك للثراء.

أنا لست مشهوراً
المنظور القديم: لا يعرفني الكثير من الناس.
المنظور الجديد: لقد كنت أخلط بين الشهرة والتأثير.

شخص واحد يفهم عملك حقًا خيرٌ من ألف متابع سلبي.

الهوس بالشهرة هو في حقيقته هوس بالحصول على الاعتراف، ابنِ سمعتك في دائرة صغيرة أولًا، ودعها تتوسع تدريجيًا.

كيف تستخدم ذلك عمليًا:

عندما تشعر بعجز أو إحباط، أو تحدّث نفسك بأمر تراه مستحيلاً، أعرض عن هذا واسأل نفسك سؤالاً واحداً:

أ تلك حقيقة، أم أنه مجرد منظور؟ في معظم الأحيان، يكون منظوراً.

وبمجرد أن تنظر إليه على أنه (منظور)، يمكنك أن تسأل نفسك سؤالاً أهم: اسأل نفسك: ما الطريقة الأكثر فائدة للنظر إلى هذا الأمر؟

أنت لا تحتاج إلى حياة مختلفة، بل إلى منظور مختلف.

لا تختفي المشكلات، لكنها تكفّ عن التحكم بك.

تذكّر: تصوغ كلماتك تجربتك، فاخترها بعناية.


المصدر


تعليق المحرر:

فكرة إعادة التأطير -كما تسمى في الإنجليرية؛ أي تغيير المنظور باستخدام اللغة -فيما أعرف- موجودة ومطروحة ومعروفة في تقنيات العلاج النفسي اوغيرها من مجالات التدريب. 

 

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

5 تعليقات

  1. كلام نفيس، وجوهره من الحكمة.

    هذا الذي ذكرتَه هو لبّ “إعادة التأطير” Reframing، وهو أصلٌ شرعي قبل أن يكون نظرية حديثة.

    قال الله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}
    وقول إبيكتيتوس يوافق ما قرره ابن القيم: “السعادة بثلاث: شكر النعمة، والصبر على البلاء، والتوبة من الذنب”.

    الفرق الجوهري الذي ذكرتَه مهم جدًا:
    التفكير الإيجابي الساذج = إنكار الواقع.
    إعادة التأطير = فهم الواقع بعدسة أدق وأنفع.

    خلاصة عملية نأخذها من كلامك:

    غيّر الاسم يتغيّر الشعور: “وحدة” إلى “عزلة”، “فشل” إلى “تصحيح مسار”.
    اسأل السؤال الصحيح: ليس “لماذا يحدث لي هذا؟” بل “ما المعنى الأنفع لهذا الذي حدث؟”
    اربط الهدف بالهوية: الانضباط لا يأتي بالقوة، بل حين يكون الفعل صادقًا مع ما تؤمن به.
    عرّف مفرداتك بنفسك: النجاح، الغنى، السعادة. لا تستعر تعريفات الناس فتتعب.

    وقاعدة ذهبية: الواقع ثابت، والتفسير متغير. ومن ملك تفسيره ملك راحته.

    جزاك الله خيرًا على هذه التدوينة الثرية. الكلمات فعلاً تصنع تجربتنا.

    • شكراً غلى تعليقك، أسعدنا أنك وجدت فيها نفعاً.
      وشكراً على التلخيص، كذلك.
      المقالة من ترجمات الموقع، واسم كاتبها مثبت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك