You are here:

لماذا أعادت برينيه براون تعريف نفسها: من أخصائية نفسية إلى مستشارة قيادية؟

كريس هوف

ترجمة موقع (كالنبتة)

يشهد المشهد العلاجي تحوّلًا ملحوظًا يحدث أمام أعيننا.

لقد أعادت برينيه براون – التي كانت تُعدّ رمزًا لموضوع الهشاشة النفسية (vulnerability)- أعادت تعريف هويتها: من معالج نفسي إلى مستشار قيادي، فالباحثة التي ألهمت ملايين المعالجين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين من خلال حديثها على منصة تيد (TED)، أصبحت اليوم تُعرّف نفسها صراحةً بأنها مستشارة في مجال القيادة، فلم تعد تُروّج للتعافي النفسي بلغة العلاج النفسي، بل باتت تطرح مفهوم التغيير في سياق أوسع على مستوى الأنظمة والمؤسسات والثقافة.

ورغم من استهجان بعض المختصين لهذا التحوّل، فإنني أعتقد بأنه جدير بالاهتمام، لا لأجل أننا مطالبون جميعًا بأن نهرع لنصبح مستشارين أو مدرّبين، بل لأن هذا التحول يكشف الاتجاه الذي يسير نحوه العلاج النفسي في المرحلة الراهنة.

العلاج النفسي تحت الضغط

يواجه مجال العلاج النفسي اليوم ضغوطًا هائلة؛ سواء من شركات التكنولوجيا الكبرى، أو من الذكاء الصُنعي، أو حتى بعض التحديات داخل المجال. فتسعى شركات التكنولوجيا إلى أتمتة مشاعر التعاطف، بينما يَعِدُ “المعالجون” المعتمدون على الذكاء الصُنعي بتقديم دعم نفسي على مدار الساعة دون تعقيدات التواصل البشري، بينما تسعى شركات التأمين لتطوير تدخلات علاج نفسي فاعلة يمكن دفع رسومها آلياً من خلال وسائل الدفع الالكترونية. كل ذلك يحدث في زمن أصبحت فيه ثقافة العلاج النفسي على وسائل التواصل الاجتماعي تميل إلى استعرض الذات وانتقاد الآخر، حيث ينشغل المعالجون بانتقاد بعضهم البعض في دائرة لا تنتهي من محاولة استعراض الاحترافية المهنية، وهذا يعني بأن ظاهره كهذه أصبحت تُقوّض العلاج النفسي من الداخل.

من الهشاشة النفسية إلى التأثير

إن تحول برينيه براون من أخصائية نفسية إلى مستشارة قيادية لا يُعدّ تخليًا عن المبادئ، بل هو تكيّف مع الواقع؛ فقد أدركت أن رهافة المشاعر والتعاطف والشجاعة -وهي ما يُعرف بـ”المهارات الناعمة” – أصبحت أصولًا استراتيجية في اقتصاد يقوم على التشتت والتسارع والإرهاق، وما قامت به برينيه فعليًا هو نقل الحكمة العلاجية إلى المجال العام، حيث يمكنها الوصول إلى ملايين الأشخاص الذين قد لا يلجؤون إلى العلاج النفسي. وبطريقة ما، فقد فعلت ما يتمنى الكثيرون منا القيام به: غادرت غرفة العلاج النفسي إلى مساحة أوسع بكثير.

من معالج نفسي إلى مستشار

عندما ألقيتُ كلمتي الرئيسية في مؤتمر الجمعية الأمريكية للعلاج الزوجي والأسري عام 2021 بعنوان “من معالج إلى مستشار”، أشرتُ إلى أن مهاراتنا العلاجية لا تُستثمر بالشكل الكافي في المجتمع؛ فنحن نعرف كيف نصغي، وكيف نُدرك دينامكيات القوة، وكيف نساعد الناس على عبور المراحل الانتقالية وإعادة صياغة قصص حياتهم، وهذه المهارات لا تقتصر على العلاج النفسي، بل يمكن توظيفها في مجالات متعددة. بينما يحتاج العالم اليوم إلى مختصين نفسيين بأدوار جديدة: وسطاء، وميسّرين، ومبدعين، ومستشرفي مستقبل، ومدربي قيادة، ومصممي ثقافة.

بيئة جديدة للرعاية

يكشف لنا تحوّل برينيه براون أمرًا مهمًا: الفصل القادم من العلاج النفسي لا يقتصر على العيادة، بل يتعلق بالمكان الذي يحصل فيه التعافي بعد مغادرة العيادة؛ فها نحن نشهد اليوم انتشار العلاج النفسي في مجالات جديدة، مثل العمل المجتمعي، والتعليم، والفن، وحل النزاعات، والقيادة، وحتى التخطيط الحضري، كما تجد أدوات السرد والتعاطف وصناعة المعنى مجالات جديدة للتطبيق، وتظهر هذه الممارسات أحيانًا في مجالس إدارة الشركات أو مراكز الأبحاث، لكن هذا لا يُقلل من القيمة العلاجية للطب النفسي، بل يدل على اتساع نطاقها.

إلى أين نتجه؟

السؤال الحقيقي ليس لماذا أعادت برينيه تعريف ذاتها، بل ما إذا كنا مستعدين للسير على نهجها؛ ليس ظاهراً بل جوهراً.

جديد بالذكر أن نطاق مهنة العلاج النفسي قد يتقلص، لكن التفكير العلاجي آخذ في الاتساع. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سنحافظ على حدود هذا المجال كما هي، أم سنُسهم في إعادة رسمها؟ فقد لا يعتمد مستقبل العلاج النفسي على قدرتنا على الدفاع عنه، بل على جرأتنا في تطويره. لقد كان المعالجون النفسيون يومًا ما معالجين ثقافيين (cultural healers)، وربما يُطلب منا اليوم أن نصبح مصممي ثقافة للمؤسسات (cultural architects).

المصدر

مصدر الصورة


تعليق المحرر:

نشر كريس هوف على صفحته مقالة لاحقة يؤكد فيها صحة وجهة نظره التي ذكرها في المقالة أعلاه، يقول: إن مجلة Charter (وهي منصة تُعني باتجاهات العمل الحديثة)، قد نشرت مقالاً عن د. بيكي كيندي (وهي أخصائية نفسية إكلينيكية، مشهورة يتابعها في في إنستقرام ثلاثة ملايين ونصف، ولها كتاب مشهور عن تربية الأطفال اسمه Good Inside) صارت تُحاضر بخبرتها التربوية في مؤتمرات القيادة، باعتبار أن التربية شكل من أسمى أشكال القيادة.

قدّم هوف مرافعته على وجهة نظره الذي ذكرها في المقال الذي ترجمناه، وهي: انزياح العلاج النفسي من العيادة إلى المؤسسات باعتبار أن مفاهيم العلاج النفسي وممارساته قادرة على الإسهام في تشكيل ثقافة الإدارة والقيادة في المؤسسات.

لكن ما لفتني في مقال مجلة Charter شيء آخر: أن الوالدية (أكثر العلاقات التراحمية وضوحاً)، يعاد تشكيل ممارساتها أو معانيها لتستثمر في مجال تعاقدي مهني. ولست أعترض على هذا لكنني أتأمله بشيء من الدهشة والتساؤل: هل صارت قيمة العلاقات ومعاني الروابط مرتبطة بمقياس ما تثمره -أو تنتجه هذه المعاني والعلاقات- في سوق العمل، هل صار الوالد يداً منتجة في بيته لا في بيئة العمل، أو صار البيت يقاس نجاحه بمقاييس النجاح في بيئة العمل.  

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

تعليق واحد

  1. مقال مفيد ويوسع الآفاق،
    كتطبيق في واقعنا ربما الأخصائي النفسي لا يستطيع تخيل كيف يمارس هذا الخطاب أو يشعر الخطاب بعيد عنه

    بالمقابل هذا الخطاب يعيد دور الثقافة أكثر للعلاج وللمعالج بعد ما تقلصت قليلا أو كثيراً بسبب إطار العلاج المهني والخوف من تجاوزه،

    أيضاً ربما يضيف عبء أو ضغط على المعالج لأن دوره لم يعد مقتصراً في الغرفة العلاجية، لكنه يعترف انه مسؤوليتنا أوسع منها

    أحببت الاعتراف بتأثير مسمى الدور،
    فالأسماء والألقاب تحررنا وتحدنا، ومن الذكاء العناية بها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك