You are here:

لمحات نفسية في سيرة ذاتية لكاتب دراما

رشّح لي أحد الأخوة كتاب (الشاهد والمشهود)، السيرة الذاتية لوليد سيف؛ وكنت على وشك سفر، لم أجد النسخة الورقية من الكتاب عند مَن واصلتُ من المكتبات، ويبدو أنها مقطوعة، فحملتُ الآيباد “على قلبي”[1] في الطريق.

قرأتُ المقدمة (وهي عن تصوراتنا عن الماضي، وكيف يشكّل هذا علاقتنا بأحداث حياتنا)، ثم شرعت أقرأ فصل الطفولة والنشأة (طولكرم: المذاقات الأولى)، وعلى أني لم أكن متحمسة لفصل النشأة، لاعتبار أنه عن (حكايا الطفولة)، ورغبت أن أتجاوزه إلى غيره من فصول: (المقاومة والآيديولوجيا) و(رحلة التدين) و(الحياة الأكاديمية)، لولا أني اخترت أن أصبر على ترتيب الكتاب.

وأنا هنا أشارك  ما وجدتُ -فيما قرأت- من نظرات نفسية (ولعلي أعود فأستكمل منها كلما قرأت).

ووليد سيف -قبل أن أنسى أن أُعرّف به- هو كاتب دراما (له من المسلسلات: التغريبة الفلسطينية، وصلاح الدين الأيوبي، ومسلسل عمر[2]، وصقر قريش، وربيع قرطبة، وملوك الطوائف)، وهو روائي -بطبيعة الحال-، وشاعر، وأستاذ في اللسانيات.  

  • ما تقوله لنفسك عن الحدث هو ما يُشكّل الحدث

هو يقول أن “السير العظيمة المدونة لم تخلقها  الوقائع الفعلية في حياة الإنسان بقدر خلقتها الكتابة نفسها”، فالمهم -إذاً-” ليس ماذا [يحدث]؟ وإنما هو كيف؟ وفي كيفية القول تتشكل القيم والمعاني”.

والقول هنا ليس محض الكتابة، وإنما الرواية بأي صورة كانت؛ ما تقوله لنفسك عن الحدث مشمول في هذا، لأن ما تقوله هو ما يشكل الحدث، لا من جهة الواقع الموضوعي، ولكن من جهة إدراكنا له ووعينا به.

تُشكّل اللغة الواقع الموضوعي لتُلبِسه معنى جديداً وقيمة متفردة، ولا يكون ذلك المعنى وتلك القيمة إلا فيما يتعلق بالفرد، أي في علاقة الفرد بالحدث؛ كيف تلقاه، وكيف تفاعل معه وفيه، على مستوى الفهم والشعور.

يقول الرافعي: “فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها ولكن بما يقابل هذه المادة من نفوسنا، ومن ثم فهي لا تؤثر فينا بنفسها ولكن بالكيفية التي نقابلها بها”[3] ذلك “إن هذه الأنفس إنما تشعر بمقدار ما فيها من الإحساس لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة الشعور”[4].

ويقول كذلك: “إن الألم هو فهمُ الألم لا غير”[5]، فما يؤلمك -الألم النفسي- هو تصورك عن الحدث ومعناه عندك، لا محض الحدث، فالوحدة مثلاً حالة قد ينشأ عنها شعور، هذا الشعور لا ينشأ بسبب وجودك منفرداً، فهذه الحال لا تؤلمك إلا بناءً على تصورك عنها وفهمك لها، إنما يؤلمك أن تشعر بأنك وحيد أو تَرِيك (متروك)، أو بلا صاحب ولا أنيس -مثلاً-، ولكن الحال الموضوعي نفسه (وجودك منفرداً) إذا تغيّر فهمك له، كأن شعرت -مثلاً- بأنك معتزلٌ اختياراً، فإنك شعورك سيتغيّر بناءً على تصورك للحال التي أنت فيها[6].

فالذاكرة نفسها ليست سِجِلاً أميناً محايداً للحدث، ولكنها تتغير وتتبدل بمرور الزمن، نتيجة لعوامل شتى، أنت لا تتذكر الحدث بالصورة نفسها كل مرة، ذاكرتك تلك -عن الحدث نفسه- تتغير وتتشكل.

كيف تروي لنفسك قصة حياتك، ما الذي تقوله (لنفسك أولاً) عما مرّ بك، تصوراتك عن الأحداث وفهمك لها، مجتمعةً، ستتشكل به -لو فطنت- رؤيتك عن حياتك، وموقفك من تاريخك الشخصي، كما ستتشكل “الصورة الذهنية للعالم في” وعيـك -بتعبير وليد سيف.

وإنما تُشكّل صورتك عن الأحداث: اللغة التي تروي بها هذه الأحداث.

اعتن بزاوية النظر، تفحّص الألطاف والعطايا، والأرزاق المخبوءة في الزوايا، وهي كثيرة وعظيمة لكننا متلفتون، فلا يعمِك عن (فهم) أرزاقك، أو يلفتك عنها ضجيج الشاشات ولا زحام الصور!

  • الهوية إنجاز يومي متراكم

ويقول وليد سيف في مقدمته (وقد شارف السبعين يوم كتبها): “هذه الهوية [الذاتية] ليست معطىً خارجياً بقدر ما هي إنجاز يومي أحققه على مستوى الوعي والوجدان والذاكرة.”.

تتشكل الهوية الذاتية للمرء كلما أعاد النظر والفهم لما مرّ به من أحداث الحياة والعالم، فما يجري عليك من أحداث الحياة أو من التجارب، تتشكل  في ذاكرتك من خلال تصوراتك عنها، وتصوراتك عما مررت به فيما مضى من عمرك يمكن أن تعيد صياغتها اليوم،  وقد آتاك الله من ملكات الفهم ومن الموارد والإمكانات الفطرية ما يمكنك من إعادة النظر وتشكيل الأفكار، فكن أميناً على بنائك هذه التصورات لأن حاضرك وواقعك يتشكل بها، فـ”الذات الواعية هي التي تشيد صورة العالم الموضوعي”.

هل يجعلك هذا أكثر انعتاقاً من قيد ماضٍ آلمك؟ وقد علمتَ أن بإمكانك -مثلاً-، وقد صرت بالغاً، “أن تحظى بطفولة جيدة” حين تُعيد فهمك وتشكيل تصوراتك عن أحداث الطفولة، فتتغير ذاكرتك عنها؟

أما أحداث العالم التي نعيشها، “فمن قال أن العام ليس مسألة شخصية، ومن قال إن الذات لا ينطوي فيها العالم الأكبر؟ ومن قال إن المشهود مستقل عن الشاهد!”

  • في قيمة اللحظة الحاضرة: الماضي ليس بأفضل من الحاضر إلا في تصوراتنا

هو يقول إن الماضي صار “بأثر رجعي زماناً جميلاً مضيئاً”، ويفسر ذلك بأن “الحنين إلى الماضي شهادة على حاضرنا” نحنّ إليه “وكأننا نقيم الحجة على حاضرنا المغاير، مع أنه لم يكن بجملته أفضل على الصعد العامة أو الخاصة”. فحنينا إلى الماضي “إنما هي في المقام الوجداني الأول شهادة على الفردوس المفقود”[7]، وهي كذلك “احتجاج على حاضر”.

وهو يقول إن كان شيء من (الماضي الجميل) مفقود فعلاً، فإنما هي:  القيمة الوجدانية للتجارب الأولى والخبرات والمُتع الصغيرة: العيش مع مصادر الطبيعة الأولية، حساسية الوجدان للعاطفة التي تنقدح أول مرة،  قبل أن يأتي زمن “العوالم الافتراضية”، و”التفاعل الفردي”، و”قبل أن تفقد الأشياء قدرتها على الإدهاش مع تقدم الوعي وتزاحم الخبرات وتراكم المعارف وبطر الحواس”.

غير أن حاضر اليوم هو ماضي الغد، الذي ربما نفقده ونحن إليه أو إلى ما في أيامه.

وتبقى موعظة الأيام وحكمة الدهر:

ما مضى فات، والمؤمَّل غيبٌ، ولك الساعة التي أنت فيها!

  • “الحلم الكبير لا يجبّ الأحلام الصغيرة”

تظل أحلام طفولتك -التي لم تتحقق- لها مكان في وجدانك، لأنها مرتبطة على الأغلب بحاجات منعقدة في نفسك لا يؤثر فيها سريان العمر، فليس الحلم صغيراً إذا ما ارتبط معناه بضروراتك الشعورية، ولا يسدّك عنه إنجازات كبيرة، ذلك أن “الحاجات الشعورية الضرورية” لا يسدّ حضور بعضها عن غياب بعض، ولكل منا أحلام يتلمس بها شيئاً من ضرورات شعوره، فلا تستصغرن أحلام غيرك لأنك لا تعرف معانيها عنده فربما كانت أمور “ترى أن حركة العالم تقف على حافتها، وهي عند غيرك طنين ذباب.  

  • ليست الشجاعة بكشف الأسرار، الشجاعة في مكان آخر

يقول -وهو يروي (قصة حياته) -: “الشجاعة في مقاومة التيار وإغراءات الأمان في ظل القطيع”، و”في الامتناع عن الشر من نهر الجنون حين يتكاثر الشاربون وتصير أوهامهم وهذاؤهم هي القاعدة”، و”في تفكيك الأساطير التي تؤسسها الطوائف المهنية والثقافية والسياسية عن نفسها”، و”في رفض اشتراطات النادي لحمل بطاقته مهما تكن سلطته وامتيازاته العلمية والمعنوية”، “في تفضيل مغارم العقل على مغانم الجهل”.

كأنه يلفتك إلى أن المعايير الصادقة هي التي تتشكل بها (أعظم الإنجازات) في رحلة الحياة.

  • “التدافع سُنة في الفعل الاجتماعي”

التقاسم الوظيفي والتكامل لا يتمظهر في الحياة دون صراع، يظهر الصراع في صورة تدافع اجتماعي، لو تأملت لوجدته مكوناً في علاقاتنا الاجتماعية جميعها، يقوم هذا الصراع على ديناميكية القوة: من يتخذ القرار، وكيف تتوزع الأدوار، ومن المؤثر ومن المتأثر، تجد هذا في بيئة العمل، علاقات الأسرة، وحتى مجالات البذل الطوعي أو غير المشروط، مثل الصداقة، بل حتى ميادين البذل لا تكاد تخلو منها.

وأنت إذا فهمت هذا وتأملت أنه مرتبط فيما انعقد في بَشريتنا من ضرورات نفسية، فهمت أن هذه طبيعة اجتماعية جُبِلت عليها حركتنا في المجتمع، ولأجلها أُمرنا بالعدل في التشارك، وبتزكية النفس، وبأخلاق الحياة في مجتمع، ومن أولها الصبر (الإيجابي) على ما يشوب مخالطة الناس من كَدَر.  

وللحديث بقية، ربما!


هوامش:

[1] كناية عن الثقل! (من قبيل التجني والدعة!)

[2] أذكر أني تابعته فترة الحجر أيام كورونا، ففجعت في حلقة وفاة النبي، وأصابني همّ يومين، ثم لم أعد له، وأذكر أن صديقاتي قلن لي: المسلسل لم يبدأ بعد فمالك انصرفتِ عنه؟ غير أني لم أعد.

[3] رسائل الأحزان

[4] نفسه

[5] وحي القلم

[6] وأذكر أني قرأت عبارة (في تويتر ربما): “ليس المهم ما يحدث ولكن المهم هو موقفك الشعوري منه”.

[7] “وحياة الحرية والكرامة والوطن الضائع” يقصد: فلسطين الحبيبة.

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك