You are here:

لماذا تتسلق امرأة أربعينية قمم العالم؟

بشرى بيبانو سيدة من المغرب (مواليد 1969) محجبة، حافظة لكتاب الله، وأم وزوجة، ومهندسة دولة، تسلقت القمم السبع (وصلت أول قمة عام 2011، وإيفرست عام 2017).

شاهدت حوارها في بودكاست مغارب، على أن الحوار بالدارجة المغربية (فعّلت التفريغ النصي للحوار على الشاشة) غير أن الأمر كان يتطلب (مشاهدة) الحلقة، وليس مجرد الاستماع إليها، لأسباب ليس وحدها الدارجة المغربية، لكن لغرابة الموضوع ودهشة التجربة، وحضور المحاور، وحسن الإخراج.

كان متسلقا سعودياً قبل سنوات قد بلغ قمة إيفريست، وشارك تجربته على تويتر، أذكر أنه قال إنهم كلما اقتربوا من القمة وجدوا جثثاً في الطريق ، وأذكر أنه ذكر شيئاً عن تجاوز الهوات السحيقة بين الجبال (باستعمال سُلّم من حديد، وربط المتسلق حمايةً له من السقوط، وبالاستعانة بالشيربا: مرشد التسلق)، وأذكر أني وددت لو أسأله عن درجة الخطر: تموتون يعني: تموتون؟ وكنت أود أن أعرف: كيف يستعدون للصلاة، وكيف يأكلون، وكيف ينامون في ظروف صراع للنجاة، مع أناس كُثر لا يعرفونهم، ولم أكن أتصور -إذ ذاك- أن درجة المخاطرة في هذه “الرياضة” تصل حد الموت!

لا تستهويني هذه الرياضة في ذاتها -من أي جهة-، لكن عينيّ اتسعت من شعف المتسلقين، على خطورة الرحلة وتكاليفها؛ شاهدت الحوار على دفعتين، وقصصت لبعض الأهل أو الصديقات ما شاهدت، أوزع المواقف التي أرويها عليهم: على قَدَر وِسع اهتمام كل منهم، حتى “يبرد قلبي” من الدهشة -كما في اللهجة المحكية في نجد.

وأنا الآن أكتب لكم ما لفتني من معانٍ ومشاهدات، وسأجعلها في هذه التدوينة مقسمة على أسئلة الوِجهة: أين، ولماذا، وكيف؛ إذ لا يكتمل -أو يصح- مشروع -مهما كان- إلا بمعرفة ثلاث: الوِجهة، الغاية منها، السبيل إليها.

  • سؤال: أين؟: لماذا الجبل:

أذكر أن متسلقاً سعودياً قال في مقطع من مقابلة قبل سنوات أن الجبال في التاريخ كانت وجهة الانعزال والتبتل، وكذلك فعل الأنبياء أول ما بُدِأ بهم من إرهاصات النبوة. وقال آخر أن الإطلال من ناصية القمة -أقرب نقطة إلى السماء- تُريك (حجم) الدنيا.

وقالت بشرى أن في الجبال معنى (السير في الأرض)، يقول مُحاورها: محمد الرماش (الذي أبرد كبدي بدهشته في أكثر من موضع في الحوار) أنه يتسلق الجبال، وأنه أول ما ابتدأ ذلك كان يريد أن يتعرف على هذا الكائن العظيم (في حجمه وقوته) الذي أبى أن يحمل الأمانة، وحملها الإنسان: الضعيف، الجهول.

تأملت أية: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله”.

وقول الله تعالى في القرآن: “فإن استقر مكانه فسوف تراني” ثم “فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً”.

وقول النبي عن أُحُد: “جبل يحبنا ونحبه”، و”اثبت أُحد“.

والمعنى الذي لفتني في هذه النصوص والمواقف: شعور الجبل؛ الكائن العظيم يشعر ويهتز ويستوي إلى الأرض من الخشوع.

أنا لا أرى أن الجبال خُلقت للصعود الشاهق على متنها، أُمرنا بالسير في مناكب الأرض (المنبسطة)، لا أشعر أن في ذلك إشارة للصعود، علاقتنا بالجبل بوصفه طريقاً، لا لنتسلقه  وإنما لنعبره، أو نُطل منه على الطريق، إطلالة يتبين بها المسار، أو نتذرى به عن الضجيج، أما القمة باعتبارها وِجهة وغاية فلا أجد أن الوصول إليها من مهام الإنسان، وانخفاض الضغط الجوي، والاختناق المصاحب لهذا، وأشعة الشمس هناك، يدل على أن الحبل ليس من وِجهات السير في الأرض، وإن كان من وجهات التأمل: تشرئب إليه الأعناق، أو يوعظ به الإنسان، غير أني أتفهم شغف المتسلقين، ودوافع الصعود عندهم.

  • سؤال: لماذا؟: في مجازات القمم:

معنى التجاوز: التغلب على حدود النفس، وتجاوز العقبات، هو المعنى الذي يحيلك إليه كل متسلق يتحدث عن رحلته -فيما أظن-، كلهم يتحدثون عن قشعريرة أو حالة متجاوزة للحس تدفعهم وتؤثر بهم، قل لي: من ذا الذي يَعبر كل هذه المخاطر ويكابد هذه الصعاب اختياراً لولا معنى متجاوز؟

تعتبر الحاجة إلى (المعنى) من الحاجات الشعورية الضرورية، حتى أنك لا تجد إنساناً إلا وهو مؤمن بمعنى ما، يتجاوز بإيمانه هذا ثَقَلة الأرض، يتخفف من عبء الحياة فيها، وقد يكون (المعنى) إيمانياً (مرتبط بمعتقد)، وقد لا يكون، ولكن لابد أن يكون شيئاً متجاوزاً لمحدودية الذات الفردية، وقد صنفت بعض مناهج علم النفس ما تتحقق به (المعنى) بإحدى ثلاث: (1) الإيمان الذي يجعل للحياة غاية عظمى، أو (2) التعلم الذي يتحدى القدرات، أو (3) العطاء الذي تتجاوز به محدوديتك.

قالت بشرى كذلك أنها تشعر أن كونها امرأة محجبة أفريقية، يُعطي رحلتها معنى ورسالة تُريد أن توصلها، وأن تدريب البنات على التسلّق للبنات -في رحلات كانت تُنظّمها حين كانت هي في مرحلة ما بعد الجامعة- تريد من ذلك أن تعزز ثقتهن بأنفسهن واكتشاف إمكانياتهن.

رفعت المصحف على القمة، وعلم بلادها، وكذلك فعل غيرها من المتسلقين، ورفع فاروق الزومان الأذان على القمة (كما ترك إدموند هيلاري -أول إنسان وصل إلى قمة الجبل عام 1953- الصليب على القمة.)

يسألها المذيع مندهشاً -مثل دهشتي- عن الأمومة والأسرة: كأنه يريد أن يعرف مكان هذه الأدوار في خارطة المعنى، قالت إن تلك أدوار مهمة لا شك، ولكنها تشعر بـ”نداء داخلي” لـ”تحدٍ كبير” وقمة تصل إليها (يقول سعود العيدي وهو متسلق ومنظم رحلات أن الدافع الأول عند النساء -حسب ما يراه في رحلاته- الحاجة إلى مواجهة النفس بدون مشتتات الحياة)

هل يشعرك هذا أن لكل واحد منا حاجة، “ترى أن حركة العالم تقف على حافتها، وهي عند غيرك طنين ذباب”؟

  • سؤال كيف؟: من آداب الطريق:

تقول بشرى إنها لم تكن رياضية ولا محترفة، ولا تمارس الرياضة انتظاماً، وأن أول ما بُدئ بها من حب هذه الرياضة: المشي والركض في الطبيعة، في الأرض المنبسطة -فلم يكن في الرباط جبال أو قمم-، تمارسها في الأرياف والمدن، وقت الإجازات، وإنها حصلت على الحزام البني في الكارتيه.

وكانت بعد زواجها منشغلة بمسار حياتها الطبيعي: الوظيفة والإنجاب، حين جمعت مالاً للحج لكن الرحلة لم تتأتى -بسبب القرعة- فقالت: ما دام الوقت والصحة والمال متوفر فلنتسلق أولى القمم، وذهبت مع زوجها الذي اعتزل التسلق بعد ذلك.

 ما يُيسر لك هو طريقك، و”ما يعترض طريقك فهو طريقك”!

توقفت عن التسلق عامين، وكانت رحلاتها للتسلق مرتبطة بإمكانيات المال والوقت؛ في الإجازات، وفي جبال يمكنها أن تبلغ قممها في حدود المدة الزمنية للإجازة، لأن الرحلات مكلفة مالياً وذهنياً وجسدياً، فهي تدير مواردها -أي تحسن تدبيرها-، وليس في القمم سباق -بطبيعة الحال-!

تقول إنها تدرجت في صعود الجبال، حتى وصلت أول قمة من قمم العالم السبع، وأن محاولتها الأولى باءت بالفشل، لطبيعة الجبل الصعبة، وللظروف المناخية المستعصية، وأن هذا الفشل أثّر على ثقتها بنفسها، لكن الفشل الأول أعطاها خارطة النجاح التالي. (قال أحدهم أن القاتل الأول لمتسلقي الجبل ليست ظروف المرتفعات ولكن الإيقو: تعاظم النفس، وذكرت الإحصائيات أن أكثر الوفيات تقع في طريق النزول بعد الوصول إلى القمة).

تقول إنها تركز في التمرين على ما يساعدها على الوصول -فهي تبني مهارات وقدرات للصعود على الجبل- تقتصد في التدرب أو تقتصر أو تركز على ما يعينها على هذا الهدف، وإن الوصول يتطلب تدريباً جسدياً وذهنياً ونفسياً. وهي تعتقد أن فشلها في المحاولة الأولى كان سببه ذهنياً (تقول إن جسدها كان بوسعه أن يكمل، لكن رأسها كان غير مستعد”، تقول أن الرجوع في كثير من الأحيان هو القرار الصحيح، وهو جزء من رحلة الوصول.

سألها المحاور عن المشاعر في الجبل: الخوف، الحنين إلى العائلة، حب الأهل، قالت إنها لم يكن بوسعها أن تشعر بذلك لأنها كانت في حال تأهب عالٍ للنجاة، وهذا التأهب يصرفها بكليتها إلى حضور الذهن في اللحظة الحاضرة،  فلا تشعر بما تشعر به وهي على الأرض، لأن الموقف موقف خطر، فلم  تشعر بشعور يذكرها بعائلتها حين تعرضت لخطر على حياتها، ولا حين مات متسلق كان بجوارها.

على عكس الهموم المتوسطة، التي تسلبك حضورك، وتشدّك المخاوف فيها يمنة ويسرة،. يأخذك الألم البالغ -يأخذك الألم البالغ إلى حضور كامل ووعي مكتمل في اللحظة الحاضرة، قال ذلك إيكهارت، فتذكرت أحاديث لسجناء حكوا عن أحوالهم في سجون انفرادية. تذكرت مقابلة محمد الفجي، تحدث فيها عن أبطال المقاومة، يخططون لأعمالهم في بيوت مأهولة بأحبابهم، وليس بينهم وبين العدو إلا جدار،  تذكرت السكينة اللي تنصب على قلوب المفجوعين في كل مرة، حتى لكأنها من السنن الثابتة.  


مصدر الصورة، صاحبة مشروع (تُرى)

المقال من (مدونة حصة)


ما قمة إيفريست الخاصة بك؟ مقابلة مع فاروق الزومان

شارك هذه التدوينة:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Telegram

3 تعليقات

  1. “الحاجة إلى مواجهة النفس دون مشتتات”
    “هل يشعرك هذا أن لكل واحد منا حاجة، “ترى أن حركة العالم تقف على حافتها، وهي عند غيرك طنين ذباب”؟”

    رائع .. ولا أستطيع التوقف عن تكرارها.. رائع

    أن أجد مقالا يتناول هواية كنت أستقلّها فيشرحها بهذا العمق، فإذ بي أنتقل من حكمي المبني على توجهي إلى تفهم دوافعها . ثم أعود للحكم مجددا لكن بإنصاف .

    • فعلاً العبارة دقيقة في التعبير عن حاجاتها، كتبها أحدهم على صفحته مرة ومازات عالقة في ذهني، وأذكر إحدى القريبات علّقت -تقول عن كل ما يشغلنا من هَم: “عسى كل شي عندنا طنين ذباب”!
      يسعدنا أن يكون للمقال هذا الأثر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

استبانات قد تساعدك